فصل: تفسير الآيات رقم (42- 44)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ***


سورة المؤمنون

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏1‏)‏ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ‏(‏2‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ‏(‏3‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ‏(‏4‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ‏(‏5‏)‏ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ‏(‏6‏)‏ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ‏(‏7‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ‏(‏8‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ‏(‏9‏)‏ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏قد أفلح المؤمنون‏}‏ أي‏:‏ فازوا بكل مطلوب، ونالوا كل مرغوب، فالفلاح‏:‏ الفوز بالمرام والنجاة من المكاره والآلام، وقيل‏:‏ البقاء في الخير على الأبد، وقد تقتضي ثبوت أمر متوقع، فهي هنا لإفادة ثبوت ما كان متوقع الثبوت من قبل، وكان المؤمنون يتوقعون مثل هذه البشارة؛ وهي الإخبار بثبوت الفلاح لهم، فخُوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه‏.‏ والإيمان في اللغة‏:‏ التصديق بالقلب، والمؤمن‏:‏ المصدِّق لِما جاء به الشرع، مع الإذعان بالقلب، وإلا‏.‏‏.‏ فكم من كافر صدّق بالحق ولم يذعن، تكبُّراً وعناداً، فكل من نطق بالشهادتين، مواطئاً لسانُه قلبَه فهو مؤمن شرعاً، قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «لَمَّا خَلَقَ الله الجَنَّةَ، قَالَ لَهَا‏:‏ تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ‏:‏ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمنُون- ثلاثاً- أنا حرامٌ على كلِّ بخيل مُرائي»؛ لأنه بالرياء أبطل العبادات الدينية، وليس له أعمال صافية‏.‏

ثم وصف أهل الإيمان بست صفات، فقال‏:‏ ‏{‏الذين هم في صلاتهم خاشعون‏}‏‏:‏ خاضعون بالقلب ساكنون بالجوارح، وقيل‏:‏ الخشوع في الصلاة‏:‏ جمع الهمة، والإعراض عما سواها، وعلامته‏:‏ ألا يجاوز بصرُه مصلاه، وألاّ يلتفت ولا يعبث‏.‏ وعن أبي الدرداء‏:‏ ‏(‏هو إخلاص المقال، وإعظام المقام، واليقين التام، وجمع الاهتمام‏)‏‏.‏ وأضيفت الصلاة إلى المصلين؛ لانتفاع المصلِّي بها وحده وهي عُدَّته وذخيرته وأما المُصلَّى له فَغَني عنها‏.‏

‏{‏والذين هم عن اللغو مُعرضون‏}‏، اللغو‏:‏ كل كلام ساقط، حقه أن يُلغَى، كالكذب والشتم ونحوهما‏.‏ والحق إن اللغو‏:‏ كل ما لا يَعني من الأقوال والأفعال، وصفهم بالحزم والاشتغال بما يعنيهم وما يقربهم إلى مولاهم في عامة أوقاتهم، كما ينبىء عنه التعبير بالاسم الدال على الثبوت والاستمرار، بعد وصفه لهم بالخشوع؛ ليجمع لهم بين الفعل والترك، الشاقَّين على النفس، اللذَيْن هما قاعدتا التكليف‏.‏ ‏{‏والذين هم للزكاة فاعلون‏}‏‏:‏ مؤدون، والمراد بالزكاة‏:‏ المصدر، الذي هو الإخراج، لا المخرج‏.‏ ويجوز أن يراد به العين، وهو الشيء المُخْرج، على حذف مضاف، أي‏:‏ لأداء الزكاة فاعلون‏.‏ وصفهم بذلك، بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة؛ للدلالة على أنهم بلغوا الغاية القصوى من القيام بالطاعة البدنية والمالية، والتجنب عن النقائص، وتوسيط الإعراض عن اللغو بينهما؛ لكمال ملابسته بالخشوع في الصلاة؛ لأن من لزم الصمت والاشتغال بما يعني عَظُم خشوعُه وأُنسه بالله‏.‏

‏{‏والذين هم لفروجهم حافظون‏}‏‏:‏ ممسكون لها، ويشمل فرجَ الرجل والمرأة، ‏{‏إلا على أزواجهم‏}‏، الظاهر أن «على» بمعنى «عن» أي‏:‏ إلا عن أزواجهم، فلا يجب حفظها عنهن، ويمكن أن تبقى على بابها، تقول العرب‏:‏ احفظ عليّ عنان فرسي، أي‏:‏ أمسكه، ويجوز أن يكون ما بعد الإستثناء حالاً، أي‏:‏ إلا والين على أزواجهم، من قولك‏:‏ كان زياد على البصرة، أي‏:‏ والياً عليها، والمعنى‏:‏ أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال، إلا في حالة تزوجهم أو تسريهم‏.‏

أو يتعلق «على» بمحذوف يدل عليه‏:‏ ‏(‏غير ملومين‏)‏، كأنه قيل‏:‏ يُلامون إلا على أزواجهم، أي‏:‏ يلامون على كل مباشرة إلا على ما أبيح لهم، فإنهم غير ملومين عليه، ‏{‏أو ما ملكت أيمانهم‏}‏ أي‏:‏ سراريهم، وعبَّر عنهن بما؛ لأن المملوك يجري مجرى غير العقلاء، لأنه يباع كما تباع البهائم‏.‏ وقال في الكشاف‏:‏ وإنما قال «ما»، ولم يقل «مَن»؛ لأن الإناث يجرين مجرى غير العقلاء‏.‏ ه‏.‏ يعني‏:‏ لكونهن ناقصات عقل، كما في الحديث‏.‏ وفيه احتراس من الذكور بالملك، فلا يباح إتيانهم والتمتع بهم للمالك ولا للمالكة، بإجماع‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإنهم غير مَلومين‏}‏ أي‏:‏ لا لوم عليهم في عدم حفظ فروجهم عن نسائهم وإمائهم‏.‏ ‏{‏فمن ابتغى وراء ذلك‏}‏؛ طلب قضاء شهوته في غير هذين، ‏{‏فأولئك هم العادُون‏}‏‏:‏ الكاملون في العدوان، وفيه دليل على تحريم المتعة والاستمتاع بالكف لإرادة الشهوة؛ لأن نكاح المتعة فاسد، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حساً، ويدل على فساده عدم التوارث فيه بالإجماع، وكان في أول الإسلام ثم نُسخ‏.‏

‏{‏والذين هم لأمانتهم وعهدهم‏}‏ أي‏:‏ لما يؤتمنون عليه، ويُعَاهَدون عليه من جهة الحق أو الخلق، ‏{‏راعون‏}‏‏:‏ حافظون عليها قائمون بها، والراعي‏:‏ القائم على الشيء بحفظ وإصلاح، كراعي الغنم‏.‏ ‏{‏والذين هم على صلواتهم‏}‏ المفروضة عليهم ‏{‏يحافظون‏}‏‏:‏ يداومون عليها في أوقاتها‏.‏ وأعاد الصلاة؛ لأنها أهم، ولأن الخشوع فيها زائد على المحافظة عليها، وَوُحِّدَت أولاً؛ ليُفاد أَن الخشوع في جنس الصلاة أيَّةَ صلاة كانت، وجُمعت ثانياً؛ ليُفاد المحافظة على أنواعها من الفرائض والواجبات والسنن والنوافل‏.‏ قاله النسفي‏.‏

‏{‏أولئك‏}‏ الجامعون لهذه الأوصاف ‏{‏هم الوارثون‏}‏ الأحقاء بأن يُسَمَّوُا وارثين، دون غيرهم ممن ورث رغائِب الأموال والذخائر وكرائمها، وقيل‏:‏ إنهم يرثون من الكفار منازلهم في الجنة، حيث فوَّتُوها على أنفسهم، لأنه تعالى خلق لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، ففي الحديث‏:‏ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاّ ولَهُ مَنْزِلاَنِ‏:‏ مَنْزِلٌ في الجنة ومَنْزِلٌ في النَّارِ، فَإِن مَاتَ ودَخَلَ الجَنَّة، وَرٍثَ أَهْلُ النَّارِ مَنْزِله، وإِنْ مَات ودَخَلَ النَّارَ، وَرثَ أَهْلُ الجَنَّةَ مَنْزِلَهُ»‏.‏

ثم ترجم الوارثين بقوله‏:‏ ‏{‏الذين يرثون الفردوس‏}‏، هو في لغة الروم والحبشة‏:‏ البستان الواسع، الجامع لأصناف الثمر، والمراد‏:‏ أعلى الجنان، استحقوا ذلك بأعمالهم المتقدمة حسبما يقتضيه الوعد الكريم، ‏{‏هم فيها خالدون‏}‏، أنث الفردوس بتأويل الجنة، أو لأنه طبقة من طبقاتها، وهي العليا‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ قال القشيري‏:‏ الفلاح‏:‏ الفوزُ بالمطلوب، والظَّفَرُ بالمقصود‏.‏ والإيمان‏:‏ انتسامُ الحقِّ في السريرة، ومخامرة التصديق بخُلاصة القلب، واستكمال التحقيق من تامور الفؤاد‏.‏ والخشوع في الصلاة‏:‏ إطراق السِّرِّ على بساط النَّجوى، باستكمال نَعْتِ الهيبة، والذوبانِ تحت سلطان الكشف، والانمحاءِ عند غلبات التَّجلِّي‏.‏

ه‏.‏

قلت‏:‏ كأنه فسر الفلاح والإيمان والخشوع بغايتهن، فأول الفلاح‏:‏ الدخول في حوز الإسلام بحصول الإيمان، وغايته‏:‏ إشراق شمس العرفان، وأول الإيمان‏:‏ تصديق القلب بوجود الرب، من طرق الاستدلال والبرهان، وغايته‏:‏ إشراق أسرار الذات على السريرة، فيصير الدليل محل العيان، فتَبتَهج السريرة بمخامرة الذوق والوجدان، وأوا الخشوع‏:‏ تدبر القول فيما يقول، وحضوره عندما يفعل، وغايته‏:‏ غيبته عن فعله في شهود معبوده، فينمحي وجود العبد عند تجلي أنوار الرب، فتكون صلاته شكراً لا قهراً، كما قال سيد العارفين صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أفلا أكون عبداً شكوراً»‏.‏

ولا تتحقق هذه المقامات إلا بالإعراض عن اللغو، وهو كل ما يشغل عن الله، وتزكية النفوس ببذلها في مرضاة الله، وإمساك الجوارح عن محارم الله، وحفظ الأنفاس والساعات، التي هي أمانات عند العبد من الله‏.‏

قال في القوت‏:‏ قال بعض العارفين‏:‏ إن الله- عز وجل- إلى عبده سرّيْن يُسِرهما إليه، يُوجده ذلك بإلهام يُلهَمهُ، أحدهما‏:‏ إذا وُلِد وخرج من بطن أمه، يقول له‏:‏ «عبدي، قد أخرجتك إلى الدنيا طاهراً نظيفاً، واستودعتك عُمرك، ائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الأمانة، وانظر كيف تلقاني كما أخرجتك،» وسِرٌ عن خروج روحه، يقول له‏:‏ «عبدي، ماذا صنعت في أمانتي عندك‏؟‏ هل حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية، فالقاك بالوفاء والجزاء‏؟‏ أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب‏؟‏» فهذا داخل في قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ‏}‏ وفي قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 40‏]‏ فعُمْر العبد أمانة عنده، إن حفظه أدى الأمانة، وإن ضيَّعه فقد خان، ‏{‏إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 58‏]‏‏.‏ ه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 16‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ‏(‏12‏)‏ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ‏(‏13‏)‏ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ‏(‏14‏)‏ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ‏(‏15‏)‏ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ «خلق»‏:‏ إن كان بمعنى اخترع وأحدث؛ تعدى إلى واحد، وإن كان بمعنى صَيَّر؛ تعدى إلى مفعولين، ومنه ‏{‏ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً‏}‏، ومن بعده‏.‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏ولقد خلقنا الإنسان‏}‏؛ جنس الإنسان، أو آدم، ‏{‏من سُلالةٍ‏}‏؛ «من»‏:‏ للابتداء، والسلالة‏:‏ الخُلاصة؛ لأنها تسل من بين الكدر، وهو ما سُلَّ من الشيء واستخرج منه، فإن ‏(‏فُعالة‏)‏ اسم لما يحصل من الفعل، فتارة يكون مقصوداً منه، كالخُلاصة، وتارة غير مقصود، كالقُلامة والكناسة، والسلالة من قبيل الأول؛ فإنها مقصودة بالسَّل، وقيل‏:‏ إنما سمي التراب الذي خُلق من آدم سلالة، لأنه سُلّ من كل تربة‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏من طين‏)‏، بيان، متعلقة بمحذوف، صفة للسلالة، أي‏:‏ خلقناه من سلالة كائنة من طين‏.‏

‏{‏ثم جعلناه‏}‏ أي‏:‏ الجنس، باعتبار أفراده المتغايرة لآدم عليه السلام، وجعلنا نسله، على حذف مضاف، إن أُريد بالإنسان آدم، فيكون كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 8، 7‏]‏ أي‏:‏ جعلنا نسله ‏{‏نطفة‏}‏‏:‏ ماءً قليلاً ‏{‏في قرار مكين‏}‏ أي‏:‏ في مستقر- وهو الرحم- ‏(‏مكين‏)‏‏:‏ حصين، أو متمكن فيه، وَصف الرحم بصفة ما استقر فيه، مثل طريق سائر، أي‏:‏ مسير فيه‏.‏

‏{‏ثم خلقنا النطفة علقة‏}‏ أي‏:‏ دماً جامداً، بأن جعلنا النطفة البيضاء علقة حمراء، ‏{‏فخلقنا العلقة مُضغة‏}‏ أي‏:‏ قطعة لحم لا استبانةَ ولا تمايز فيها ‏{‏فخلقنا المضغة‏}‏ أي‏:‏ غالبها ومعظمها، أو كلها ‏{‏عظاماً‏}‏، بأن صلبناها، وجعلناها عَموداً على هيئةٍ وأوضاع مخصوصة، تقتضيها الحكمة، ‏{‏فكسونا العظام‏}‏ المعهودة ‏{‏لحما‏}‏ بأن أنبتنا عليها اللحم، فصار لها كاللباس، أو كسونا كل عظم من تلك العظام ما يليق به من اللحم، على مقدار لائق به، وهيئة مناسبة‏.‏ وقرئ بالإفراد فيهما، اكتفاء بالجنس، وبتوحيد الأول فقط، وبتوحيد الثاني فحسب‏.‏ ‏{‏ثم أنشأناه خلقاً آخر‏}‏ أي‏:‏ خلقاً مبايناً للخلق الأول، حيث جعله حيواناً، وكان جماداً، وناطقاً وسميعاً وبصيراً، وكان بضد هذه الصفات، ولذلك قال الفقهاء‏:‏ من غصب بيضة فأفرخت عنده ضمِّنَ البيضة، ولم يَرُدّ الفرخ؛ لأنه خلق آخر سوى البيضة‏.‏

‏{‏فتبارك الله أحسن الخالقين‏}‏ أي‏:‏ فتعالى أمره في قدرته الباهرة، وعلمه الشامل‏.‏ والالتفات إلى الإسم الجليل؛ لتربية المهابة، وإدخال الروعة، والإشعار بأنَّ ما ذكر من الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهية، وللإيذان بأنَّ من حق كل من سمع ما فصَّل من آثار قدرته تعالى أو لاحظه، أن يسارع إلى التكلم به، إجلالاً وإعظاماً لشؤونه تعالى، وقوله‏:‏ ‏(‏أحسن الخالقين‏)‏‏:‏ بدل اسم الجلالة، أو نعت، على أنَّ الإضافة محضة؛ ليطابقه في التعريف، أو خبر، أي‏:‏ هو أحسن الخالقين خلقاً، أي‏:‏ أحسن المقدرين تقديراً، فحذف التمييز؛ لدلالة الخالقين عليه‏.‏

قيل‏:‏ إنَّ عبدَ اللهِ بنَ أبي سَرْح كان يَكْتُبُ الوحيَ للنبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا انتهى- عليه الصلاة والسلام- إلى قوله‏:‏ ‏{‏خلقا آخَر‏}‏، سَاَرَعَ عبدُ الله إلى النُطقِ بِذَلِكَ، فَنَطَقَ بذلِكَ، قبل إِمْلاَئِهِ، فَقَالَ له رسُول الله صلى الله عليه وسلم «اكْتبْ، هَكَذَا أُنْزِلَتْ» فَشَكَّ عبدُ الله، فَقَالَ‏:‏ إنْ كانَ مُحمدٌ يُوحَى إليْهِ، فَأَنَا يُوحَى إليَّ، فارتدَّ ولَحِق بمكَّةَ كافِراً، ثم أَسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ‏.‏ وقيل‏:‏ الحكاية غير صحيحة؛ لأن ارتداده كان بالمدينة، والسورة مكية‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثم إنكم بعد ذلك‏}‏ أي‏:‏ بعد ما ذكر من الأمور العجيبة، حسبما ينبىء عنه ما في اسم الإشارة من البُعد، المشعر بعُلُوِّ مرتبة المشار إليه وبُعد منزلته في الفضل، ‏{‏لميتون‏}‏‏:‏ لصائرون إلى الموت لا محالة، كما يؤذن به صيغة الصفة، وقرئ «المائتون»، ‏{‏ثم إنكم يوم القيامة‏}‏ أي‏:‏ عند النفخة، ‏{‏تبعثون‏}‏ في قبوركم للحساب والمجازاة، فإن قلت‏:‏ لِمَ أكدَّ الأول بإنّ واللام، وعبَّر بالاسم دون الثاني، الذي هو البعث، والمتبادر للفهم العكس؛ لأن الموت لم ينكره أحد، والبعث أنكره الكفار والحكماء‏؟‏ فالجواب كما قال ابن عرفة‏:‏ إنه من حمَل اللفظ على غير ظاهره، مثل‏:‏

جَاءَ شَقِيقٌ عَارضاً رُمْحَه *** إِنَّ بني عَمِّك فِيهِمْ رِمَاحُ

فَهُم، لعصيانهم ومخالفتهم، لم يعملوا للموت، فحالهم كحال المنكر لها، ولمّا كانت دلائل البعث ظاهرة صار كالأمر الثابت الذي لا يُرتاب فيه‏.‏ ه‏.‏

الإشارة‏:‏ اعلم أن الروح لها أطوار كأطوار البشرية، من الضعف والقوة شيئاً فشيئاً، باعتبار قوة اليقين، والترقي إلى العلم بالله ومشاهدته، فتكون أولاً صغيرة العلم، ضعيفة اليقين، تم تتربى بقوت القلوب وغذاء الأرواح؛ فقوتُ القلوب‏:‏ العمل الظاهر، وقوت الأرواح‏:‏ العمل الباطن، فلا تزال تتقوت بالعمل الظاهر شيئاً فشيئاً حتى تقوى على كمالِ غايته، ثم تنتقل إلى قوت العمل الباطن؛ كالذكر القلبي، والتفكر والاعتبار، وجولان القلب في ميادين الأغيار، ثم دوام حضور القلب مع الحق على سبيل الاستهتار، ثم يفتح لها ميادين الغيوب، ويوسع عليها فضاء الشهود، فيكون قُوتها حينئذٍ رؤية المحبوب، وهو غاية المطلوب، فتبلغ مبلغ الرجال، وتحوز مراتب الكمال، ومن لم يبلغ هذا بقي في مرتبة الأطفال، ولا يمكن حصول هذا إلا بصحبة طبيب ماهر، يعالجها ويربيها، وينقلها من طور لى طور، وإلاَّ بقيت الروح مريضة لا تتقوت إلا بالمحسوسات، وهي لا تُشبع ولا تُغني من جوع‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 22‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ‏(‏17‏)‏ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ‏(‏18‏)‏ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ‏(‏19‏)‏ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ‏(‏20‏)‏ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ‏(‏21‏)‏ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ «سيناء»، مَنْ فتحها‏:‏ جعل همزتها للتأنيث، فلم يصرفه؛ للتأنيث والوصف، كحمراء، أو لألف التأنيث، لقيامه مقام علتين، ومن كسرها‏:‏ لم يصرفه؛ للتعريف والعجمة، وهذا البناء ليس من أبنية التأنيث، وإنما ألفُهُ ألف الإلحاق، كعلِباء وجِرباء‏.‏

ونبت وأنبت‏:‏ لغتان بمعنى واحد وكذلك سقى وأسقى‏.‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏ولقد خلقنا فوقكم سبعَ طرائق‏}‏، وهي السموات السبع، جمع طريقة؛ لأنها طرق الملائكة وتقلباتها، وطرق الكواكب، فيها مسيرها ‏{‏وما كنا عن الخلق غافلين‏}‏، أراد بالخلق السموات، كأنه قال‏:‏ خلقناها وما غفلنا عن حفظها وإمساكها، أو الناس، أي‏:‏ خلقناها فوقكم؛ لنفتح عليكم منها الأرزاق والبركات، وما كنا غافلين عنكم وعما يصلحكم، أو‏:‏ خلقناها فوقكم، وما حالت بيننا وبينكم، بل نحن أقرب إليكم من كل شيء، فلا نغفل عن شيء من أمركم، قلَّ أو جلَّ‏.‏

‏{‏وأنزلنا من السماء ماءً‏}‏ هو المطر، وقيل‏:‏ الأنهار النازلة من الجنة، وهي خمسة‏:‏ سَيْحُون نهر الهند، وَجَيْحونُ نهر بلخ، ودِجْلَةُ والفُراتُ نهرا العراق، والنيل نهر مصر، أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة‏.‏ ه‏.‏ وقوله تعالى؛ ‏{‏بقدَرِ‏}‏ أي‏:‏ بتقدير، يَسْلَمون معه من المضرة، ويصلون إلى المنفعة، أو بمقدار ما علمنا بهم من الحاجة، أو‏:‏ بقدر سابق لا يزيد عليه ولا ينقص، ‏{‏فأسكناه في الأرض‏}‏ أي‏:‏ جعلناه ثابتاً قاراً فيها، كقوله‏:‏ ‏{‏فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الأرض‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 21‏]‏، فماء الأرض كله من السماء، ‏{‏وإنا على ذهاب به‏}‏ أي‏:‏ إزالته بالإفساد والتغوير، حيث يتعذر استنباطه، ‏{‏لقادرون‏}‏ كما كنا قادرين على إنزاله، وفي تنكير «ذهاب»‏:‏ إيماء إلى كثرة طرقه، ومبالغة في الإيعاد به، ولذلك كان أبلغ من قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 30‏]‏‏.‏

ثم ذكر نتائجه، فقال‏:‏ ‏{‏فأنشأنا لكم به‏}‏ أي‏:‏ بذلك الماء ‏{‏جنات من نخيلِ وأعنابِ لكم فيها‏}‏ أي‏:‏ في الجنات، ‏{‏فواكهُ كثيرةٌ‏}‏ تتفكهون بها سوى النخيل والأعناب، ‏{‏ومنها تأكلون‏}‏ أي من الجنات تأكلون تغذياً، وتفكهاً، أو تُرزقون وتحصِّلون معايشكم، من قولهم‏:‏ فلان يأكل من حرفته، وهذه الجنة وجوه أرزاقكم منها ترزقون وتتمعشون، ويجوز أن يكون الضميران للنخيل والأعناب، أي‏:‏ لكم في ثمرتها أنواع من الفواكه، الرطب والعنب، والتمر والزبيب، والعصير والدِّبْسُ، وغير ذلك وطعاماً تأكلونه‏.‏

‏{‏و‏}‏ أنبتنا به ‏{‏شجرةً‏}‏ هي الزيتون ‏{‏تخرج من طُور سَيْناء‏}‏، وهو جبل موسى عليه السلام بين مصر وأيلة، وقيل‏:‏ بفلسطين، ويقال‏:‏ فيه طور سنين، فإمَّا أن يكون الطور اسم الجبل، وسيناء اسم البقعة أضيف إليها، أو المركب منهما عَلَمٌ له، كامرئ القيس، وتخصيصها بالخروج منه، مع خروجها من سائر البقع، إما لتعظيمها، أو لأنه المنشأ الأصلي لها؛ لأن أصل الزيتون من الشام، وأول ما نبت في الطور، ومنه نُقل إلى سائر البلاد، ‏{‏تَنْبُتُ بالدُّهن‏}‏ أي‏:‏ متلبسة بالدهن، أي‏:‏ ما يدهن به، وهو الزيت، ‏{‏وصِبْغِ للآكلين‏}‏ أي‏:‏ إدام لهم، قال مقاتل‏:‏ جعل الله في هذه إداماً ودُهناً، فالإدام‏:‏ الزيتون، والدهن‏:‏ الزيت‏.‏

وقيل‏:‏ هي اول شجرة تنبت بعد الطوفان، وخص هذه الأنواع الثلاثة؛ لأنها أكرم الشجر وأفضلها وأنفعها‏.‏

‏{‏وإنَّ لكم في الأنعام‏}‏، جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، ‏{‏لَعِبْرَةً‏}‏ تعتبرون بها، وتستدلون بأحوالها على عظم قدرة الله تعالى، وسابغ نعمته، وتشكرونه عليه، ‏{‏نُسقيكم مما في بطونها‏}‏ من الألبان سائغة للشاربين، أو مما استقر في بطونها من العلَف؛ فإنَّ اللبن يتكون منه، ‏{‏ولكم فيها منافعُ كثيرةٌ‏}‏، سوى الألبان، وهي منافع الأصواف والأوبار والأشعار‏.‏ ‏{‏ومنها تأكلون‏}‏ أي‏:‏ من لحومها، ‏{‏وعليها‏}‏ أي‏:‏ على الأنعام في البر، ‏{‏وعلى الفُلك‏}‏ في البحر ‏{‏تُحملون‏}‏ في أسفاركم ومتاجركم، والمراد بالأنعام في الحمل الإبل؛ لأنها هي المحمول عليها في البر، فهي سفائن العرب، كما قال ذو الرمة‏:‏

سَفِنَةُ بَرِّ تَحْتَ خَدِّي زِمَامُهَا *** يريد ناقته‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ولقد خلقنا فوق قلوبكم سبعة حجب، فمن خَرقَها أفضى إلى فضاء شهود ذاتنا وأنوار صفاتنا، وهي حجاب المعاصي والذنوب، وحجاب النقائص والعيوب، وحجاب الغفلات، وحجاب العوائد والشهوات، وحجاب الوقوف مع حلاوة المعاملات، وحجاب الوقوف مع الكرامات والمقامات، وحجاب حس الكائنات، فمن خرق هذه الحجب بالتوبة والتزكية واليقظة والعفة والرياضة، والأنس بالله والغيبة عما سواه، ارتفعت عنه الحجب، ووصل إلى المحبوب‏.‏ قال الورتجبي‏:‏ أوضح سبع طرائق لنا إلى أنوار صفاته السبعة‏.‏ ه‏.‏ وقال القشيري‏:‏ الحق- سبحانه- لا يستتر من رؤيته مُدْرَكٌ، ولا تخفى عليه من مخلوقاته خافية، وإنما الحُجُبُ على أبصارِ الخَلْق وبصائرهم، والعادةُ جاريةٌ أنه لا يخلق لنا الإدراك لِمَا وراء الحُجُب، ولذلك أدخِلَت الغفلةُ القلوبَ، واستولى عليها الذهول، سدَّت بصائرها، وغيبت فهومها، ففوقها حجب ظاهِرة وباطنة ففي الظاهر‏:‏ السموات حجبٌ تحول بيننا وبين المنازل العالية وعلى القلوب أغشية وأغطية، كالشهوة والأمنية، والإرادات الشاغلة والغفلة المتراكمة‏.‏

ثم ذكر أن طرائق المريدين الفَتْرَة، وطرائق الزاهدين ترك عُروق الرغبة‏.‏ قال‏:‏ وأما العارفون فربما تظلهم في بعض أحيانهم وقفةٌ في تضاعيف سيرهم إلى ساحات الحقائق، فيصيرون موقوفين ريثما يتفضّلُ الحقُّ- سبحانه- عليهم بكفاية ذلك، فيجدون نفاذاً، ويدفع عنهم ما عاقهم من الطرائق، وفي جميع ذلك فالحق- سبحانه- غير تاركٍ للعبد ولا غافلٍ عن الخلق‏.‏ ه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وما كنا عن الخلق غافلين‏}‏ أي‏:‏ وما كنا غافلين عن إرسال من يخرجهم من تلك الحجب القهرية، بل بعثنا الرسل، وفي أثرهم العارفين الربانيين، يُخرجون من تعلق بهم من تلك الطرائق، ويوصلونهم إلى بحر الحقائق‏.‏ وأنزلنا من سماء الغيوب ماء العلم اللدني، فأسكناه في أرض النفوس والقلوب، بقدر ما سبق لكل قلب منيب، وإناعلى ذهاب به من القلوب والصدور لقادرون‏.‏

ولذلك كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، فأنشأنا بذلك العلم في قلوب العارفين جنات المعارف من نخيل الأذواق والوجدان، وأعناب خمرة العيان، لكم فيها فواكه كثيرة، أي‏:‏ تمتع كثير بلذة الشهود، ومنها تتقوت أرواحكم وأسراركم، وشجرة المعرفة تخرج من القلوب الصافية، التي هي محل المناجاة، كطور موسى، أي‏:‏ تنبت فيها ويخرج أغصانها إلى ظاهر الجوارح، تنبت في القلب بدهن الذوق والوجد، وصبغ للآكلين، أي‏:‏ المريدين الآكلين من تلك الشجرة، فتصبغ قلوبهم بالمعرفة واليقين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن لكم في الأنعام لعبرة‏}‏، قال القشيري‏:‏ الإشارة فيه‏:‏ أنّ الكدوراتِ الناجمةَ المتراكمةَ لا عِبْرَةَ بها ولا مبالاة، فإنَّ اللَّبنَ الخالص السائغَ يخرجُ من أخلاف الإبل والأنعام، من بين ما ينطوي حواياها عليها من الوحشة، ولكنه صافٍ لم يؤثر فيها بُحكم الجِوار، والصفا يوجد أكثره في عين الكُدروة؛ إذ الحقيقة لا يتعلق بها حق ولا باطل‏.‏ ومَنْ أَشرف على سِرِّ التوحيد تحقَّقَ بأنَّ ظهور جميع الحدثان من التقدير، فتسْقُط عنه كلفة التمييز؛ فالأسرارُ عند ذلك تصفو، والوقت لصاحبه لا يجفو، ‏(‏ولكم فيها منافع‏)‏ لازمةٌ لكم، ومتعدية منكم إلى كلِّ متصلٍ بكم‏.‏ انتهى على لحن فيه، فتأمله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 30‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏23‏)‏ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ‏(‏24‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ‏(‏25‏)‏ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ‏(‏26‏)‏ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ‏(‏27‏)‏ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏28‏)‏ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ‏(‏29‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ذكر في الحاشية وجوهاً من المناسبة، فقال‏:‏ لمّا استطرد ذكر الفلك ناسب ذكر نوح إثره، لقوله‏:‏ ‏(‏اصنع الفلك‏)‏، وأيضاً‏:‏ هو أبو البشر الثاني، فَذُكِرَ كما ذكر أولاً آدم، في ذكر خلق الإنسان، وأيضاً في ذكر نجاة المؤمنين وفلاحهم، فناسب صدر السورة، وهلاك الكافر وهو ضد المؤمن، كما صرح بذلك في قوله في آخرها‏:‏ ‏(‏إنه لا يفلح الكافرون‏)‏، وفي النجاة في الفلك مناسبة للنعم المقررة قبل ذكره‏.‏ ه‏.‏ ‏(‏وإن كنا لمبتلين‏)‏‏:‏ «إنْ»‏:‏ مخففة، واسمها‏:‏ ضمير الشأن، واللام فارقة‏.‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏ولقد أرسلنا‏}‏‏:‏ وتالله لقد أرسلنا ‏{‏نوحاً إلى قومه‏}‏، وقد مرّ في الأعراف نسبه وكيفية بعثته، ‏{‏فقال‏}‏ لقومه حين أُرسل إليهم، متعطفاً عليهم، ومستميلاً لهم إلى الحق‏:‏ ‏{‏يا قوم اعبدوا الله‏}‏ وحده؛ إذ العبادة مع الإشراك لا عبرة بها، فلذلك لم يقيدها هنا، وقيدها في هود، بقوله‏:‏ ‏{‏أَن لاَّ تعبدوا إِلاَّ الله‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 26‏]‏ ‏{‏ما لكم من إلهٍ غيرهُ‏}‏ أي‏:‏ ما لكم من الوجود إله يستحق أن يُعبد غيره، فالرفع على المحل، والجر على اللفظ‏.‏ ‏{‏أفلا تتقون‏}‏؛ أفلا تخافون عقوبة الله، الذي هو ربكم وخالقكم، إذا عبدتم غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شيء، أو‏:‏ أفلا تخافون عذابه الذي يستوجبه ما أنتم عليه، كما يُفصح عنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 59‏]‏‏.‏

‏{‏فقال الملأ الذين كفروا من قومه‏}‏ أي‏:‏ أشرافهم لعوامهم‏:‏ ‏{‏ما هذا إلا بشرٌ مثلكُم‏}‏ في الجنس والوصف، يأكل ويشرب مثلكم، من غير فرق بينكم وبينه، ‏{‏يُريد أن يتفضَّل عليكم‏}‏ أي‏:‏ يطلب الفضل عليكم، ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم، والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية والخضوع للحَجَر، ولم يرضوا بنبوة البشر‏.‏ ثم قالوا‏:‏ ‏{‏ولو شاء الله لأنزل ملائكة‏}‏ أي‏:‏ لو شاء الله إرسال الرسل لأرسل رسلاً من الملائكة‏.‏ وإنما قال‏:‏ لأنزل ولم يقل‏:‏ لأرسل؛ لأنَّ إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال، فمفعول المشيئة مطلق الإنزال، أي‏:‏ لو شاء ربنا إنزال شيء من الوحي لأنزل ملائكة يرسلهم إلينا، ‏{‏ما سمعنا بهذا‏}‏ أي بمثل هذا الكلام، الذي هو الأمر بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، أو‏:‏ ما سمعنا بأنَّ البشر يكون رسولاً، أو بمثل نوح عليه السلام في دعوى النبوة، ‏{‏في آبائنا الأولين‏}‏ أي‏:‏ الماضين قبل بعثة نوح عليه السلام، وإنما قالوا ذلك؛ إما من فرط عنادهم، أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة، وقيل‏:‏ معناه‏:‏ ما سمعنا به أنه نبي، ‏{‏إنْ هو‏}‏ أي‏:‏ ما هو ‏{‏إلا رجل به جِنَّةٌ‏}‏ أي جنون، أو جن يخبلونه، ولذلك يقول ما يقول‏:‏ ‏{‏فتربصوا به حتى حين‏}‏ أي‏:‏ انتظروا واصبروا إلى زمان حتى ينجلي أمره، فإن أفاق من جنونه، وإلا قتلتموه‏.‏

‏{‏قال ربّ انصرني بما كذَّبونِ‏}‏، لمَّا أيس من إيمانهم دعا الله بالانتقام منهم، فالجملة استئناف نشأ عن سؤال، كأنه قيل‏:‏ فماذا قال عليه السلام، بعدما سمع هذه الأباطيل‏؟‏ فقيل‏:‏ قال، لما رآهم قد أصروا على الكفر والتكذيب، وتمادوا في الغواية والضلال، حتى أيس من إيمانهم بالكلية وقد أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن‏:‏ ‏{‏رب انصرني‏}‏ بإهلاكهم بالمرة، فهو حكاية إجمالية لقوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 26‏]‏‏.‏ ‏{‏بما كذَّبون‏}‏؛ بسبب تكذيبهم إياي، أو بدل تكذيبهم، كقولك‏:‏ هذا بذاك، أي‏:‏ بدل ذاك والمعنى‏:‏ أبدلني من غم تكذيبهم سلَوة النصر عليهم‏.‏

‏{‏فأوحينا إليه‏}‏؛ أجببنا دعاءه وأوحينا إليه عند ذلك ‏{‏أَنِ اصنعِ الفُلكَ بأعيننا‏}‏ أي‏:‏ ملتبساً بحفظنا وكلاءتنا، كأنَّ معك حُفاظنا يكلؤونك بأعينهم، لئلا يتعرض لك أحد، يفسد عملك، ومنه قولهم‏:‏ عليه من الله عيون كالئة، ‏{‏ووَحْينا‏}‏ أي‏:‏ أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها‏.‏ رُوي‏:‏ أنه أوحى إليه أن يصنعها مثل جُؤْجؤ الطائر‏.‏ وفي القاموس جُؤجؤ- كَهُدْهُد-‏:‏ الصدرُ‏.‏ ‏{‏فإذا جاء أَمْرُنا‏}‏ أي‏:‏ عذابنا بأمرنا، ‏{‏وفار التنُّور‏}‏ أي‏:‏ فار الماء من تنور الخبز، فخرج سبب الغرق من موضع الحرق؛ ليكون أبلغ في الإنذار والإعتبار‏.‏ رُوي أنه قيل لنوح‏:‏ إذا رأيت الماء يفور من التنور؛ فاركب أنت وأهلك السفينة، فلما نبع الماء من التنور؛ أخبرته امرأته، فركب، وكان التنور تنورَ آدم، فصار إلى نوح، وكان من حجارة‏.‏ واختلف في مكانه، فقيل‏:‏ في مسجد الكوفة عن يمين الداخل، وقيل‏:‏ بالشام، وقيل‏:‏ بالهند‏.‏

فإذا فار ‏{‏فاسْلُكْ فيها‏}‏‏:‏ فَأَدْخِلْ في السفينة ‏{‏من كل زوجين اثنين‏}‏؛ من كل أمة اثنين مزدوجين، ذكر وأنثى‏.‏ قال الحسن‏:‏ لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق والدود والزباب، فلم يحمل منه شيئاً، وإنما يخرج من الطير‏.‏ ه‏.‏ ‏{‏و‏}‏ احمل في السفينة ‏{‏أهلَك‏}‏؛ نساءك وأولادك، أو من آمن معك، ‏{‏إلا من سبق عليه القولُ منهم‏}‏ أي‏:‏ القول من الله بهلاكه، وهو ابنه وإحدى زوجتيه، وإنما جيء بعلى؛ لكون السابق ضاراً، كما جيء باللام في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 101‏]‏، ‏{‏وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 171‏]‏؛ لكونه نافعاً، ونحوه‏:‏ ‏{‏لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 286‏]‏، ‏{‏ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون‏}‏ أي‏:‏ لا تسألني نجاة الذين كفروا، إنهم مقضى عليهم بالإغراق لا محالة؛ لظلمهم بالإشراك والإصرار، ومَنْ هذا شأنه لا يُشفع له، وكأنه عليه السلام ندم على الدعاء عليهم، حين تحقق هلاكهم، فهَمَّ بمراجعة الحق فيهم؛ شفقة ورحمة، فَنُهي عن ذلك‏.‏

ثم قال له‏:‏ ‏{‏فإِذا استويتَ أنت ومن معك على الفُلْك‏}‏؛ فإذا تمكنتم عليها راكبين ‏{‏فقل الحمد لله الذي نجَّانا من القوم الظالمين‏}‏، أُمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم على طريق‏:‏

‏{‏فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 45‏]‏‏.‏ ولم يقل‏:‏ فقولوا، وإن كان أهله ومن معه قد استووا معه؛ لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولَهم، مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة‏.‏

‏{‏وقل ربِّ أنزلني‏}‏ في السفينة، أو منها ‏{‏مُنْزَلاً مباركاً‏}‏ أي‏:‏ إنزالاً مباركاً، أو موضع إنزال يستتبع خيراً كثيراً، ‏{‏وأنت خير المُنزِلين‏}‏؛ خير من ينزل في كل خير، أُمر عليه السلام بأن يشفع دعاءه بما يطابقه من ثنائه عليه تعالى، توسلاً به إلى إجابة دعائه، فالبركة في السفينة‏:‏ النجاة فيها، وبعد الخروج منها‏:‏ كثرة النسل وتتابع الخيرات، ‏{‏إِنَّ في ذلك‏}‏ فيما فعل بنوح وقومه ‏{‏لآياتِ‏}‏‏:‏ لعبراً ومواعظ، ‏{‏وإن كنا‏}‏ أي‏:‏ وإن الشأن والقصة كنا ‏{‏لمبتلين‏}‏‏:‏ مُصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد، أو‏:‏ مختبرين بهذه الآيات عبادنا، لننظر من يعتبر ويذكر، كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 15‏]‏‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ تقدمت إشارة هذه القصة مراراً بتكررها، وفيها تسلية لمن أوذي من الأولياء بقول قبيح أو فعل ذميم‏.‏ وقال القشيري في قوله‏:‏ ‏{‏وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً‏}‏‏:‏ الإنزال المبارك‏:‏ أن تكون بالله ولله على شهود الله، من غير غفلة عن الله، ولا مخالفة لأمر الله‏.‏ ه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 41‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ ‏(‏31‏)‏ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏32‏)‏ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ‏(‏33‏)‏ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ‏(‏34‏)‏ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ‏(‏35‏)‏ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ‏(‏36‏)‏ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ‏(‏37‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏38‏)‏ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ‏(‏39‏)‏ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ‏(‏40‏)‏ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏ثم أنشأنا من بعدهم‏}‏؛ من بعد قوم نوح ‏{‏قرناً‏}‏ أي‏:‏ قوماً ‏{‏آخرين‏}‏ هم عادٌ قوم هود، حسبما رُوي عن ابن عباس، ويشهد له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 69‏]‏، ومجيء قصة هود على إثر قصة نوح في الأعراف وهود والشعراء، ونقل ابن عطية عن الطبري‏:‏ أن المراد بهم ثمود قوم صالح، قال‏:‏ والترتيب يقتضي قوم عاد، إلاَّ أنهم لم يُهلكوا بالصيحة، بل بالريح، قال في الحاشية‏:‏ والظاهر أنهم صالح‏.‏ كما قاله الطبري‏.‏ وحمل الواحدي الصيحة على صيحة العذاب، فيتجه لذلك أنهم عاد قوم هود، وقد تقرر أن ثمود بعد عاد‏.‏ ثم قال‏:‏ وفي السيرة‏:‏ عادٌ بن عوص بن إرَم بن سام بن نوح، وثمود بن عابر بن أرَم بن سام بن نوح‏.‏ ه‏.‏

‏{‏فأرسلنا فيهم‏}‏، الإرسال يُعَدّى بإلى، ولم يُعَدَّ بها هنا وفي قوله‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فى أُمَّةٍ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 30‏]‏، ‏{‏وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 94‏]‏؛ لأن الأمة والقرية جعلت موضعاً للإرسال، إيذاناً بأن المرسَل إليهم لم يأتهم من غير مكانهم، بل إنما نشأ بين أظهرهم، كما ينبىء عنه قوله‏:‏ ‏{‏رسولاً منهم‏}‏ أي‏:‏ من جملتهم نسباً، وهو‏:‏ هود أو صالح، فإنهما- عليهما السلام- كانا منهم‏.‏ قائلاً لهم‏:‏ ‏{‏أنِ اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيرهُ أفلا تتقون‏}‏ عذابه، الذي يقتضيه ما أنتم عليه من الشرك والمعاصي‏.‏

‏{‏وقال الملأُ من قومه‏}‏، ذكر مقال قوم هود، في جوابه، في الأعراف وهود بغير «واو»؛ لأنه على تقدير سؤال سائل، قال‏:‏ فما قال قومه‏؟‏ فقيل‏:‏ قالوا‏:‏ كيت وكيت، وهنا مع الواو؛ لأنه عطفٌ لما قالوه على ما قاله الرسول؛ ومعناه‏:‏ حكاية قولهم الباطل إثر حكاية قول الرسول الحق، وليس بجواب للنبي متصل بكلامه، وجيء بالفاء في قصة نوح عليه السلام؛ لأنه جواب لقوله، واقعٌ عَقِبَه،، أي‏:‏ وقال الأشراف من قومه ‏{‏الذين كفروا‏}‏، وُصفوا بالكفر؛ ذَماً لهم، وتنبيهاً على غُلوِّهم فيه، ‏{‏وكذَّبوا بلقاء الآخرة‏}‏ أي‏:‏ بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك، أو بمعادهم إلى الحياة الثانية، ‏{‏وأترفناهم‏}‏‏:‏ نَعَّمناهم ‏{‏في الحياة الدنيا‏}‏ بكثرة الأموال والأولاد، أي‏:‏ قالوا لأتباعهم، مُضلين لهم‏:‏ ‏{‏ما هذا‏}‏ النبي ‏{‏إلا بشرٌ مثلُكم‏}‏ في الصفة والأحوال، والاحتياج إلى القِوام، ولم يقولوا‏:‏ مثلنا؛ تهويناً لأمره عليه السلام‏.‏

ثم فسر المثلية بقوله‏:‏ ‏{‏يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون‏}‏ أي‏:‏ منه، فحذف؛ لدلالة ما قبله عليه، ‏{‏ولئن أطعتم بشراً مثلكم‏}‏ فيما يأمركم به وينهاكم عنه، ‏{‏إنكم إذاً لخاسرون‏}‏ بالانقياد لمثلكم، ومن حمقهم أنهم أبَوْا اتِّباع مثلهم وعبدوا أعجز منهم‏.‏

‏{‏أَيعدُكُمْ أنكم إِذا مِتُّم‏}‏- بالكسر والضم-؛ من مات يُمات ويموت، ‏{‏وكنتم تراباً وعظاماً‏}‏ نخرة، ‏{‏أنكم مُخْرَجُون‏}‏، فأنكم الثانية، توكيد للأولى؛ للفصل بينهما، والتقدير‏:‏ أيعدكم أنكم مخرجون بالبعث إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً‏؟‏ ‏{‏هيهات هيهاتَ‏}‏، تكرير؛ لتأكيد البُعد، وهو اسم فعل مبني على الفتح، واقع موقع بَعُد، فاعلها مضمر، أي‏:‏ بعد التصديق أو الوقوع ‏{‏لِما تُوعدون‏}‏ من العذاب، أو فاعلها‏:‏ «ما توعدون»، واللام زائدة، أي بَعُد ما تعدون من البعث، وقيل‏:‏ ما توعدون من البعث‏.‏

وقيل‏:‏ مبتدأ، وهما اسم للبعد، و‏(‏لما توعدون‏)‏‏:‏ خبر، أي‏:‏ بُعْدٌ بُعْدٌ لما توعدون، ‏{‏إن‏}‏‏:‏ ما ‏{‏هِيَ إلا حياتنا الدنيا‏}‏، والضمير لا يُعْلَمُ ما يُغْنَى به إلا بما بعده من بيانه، وأصله‏:‏ إن الحياةُ إلا حياتنا، وأتى بالضمير؛ حذراً من التكرير، أي‏:‏ لا حياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها، ودنت منها، ‏{‏نموت ونحيا‏}‏ أي‏:‏ يموت بعضنا ويولد بعضٌ، إلى انقراض العصر، ‏{‏وما نحن بمبعوثين‏}‏ بَعد الموت، ‏{‏إن‏}‏؛ ما ‏{‏هو إلا رجل افترى على الله كَذِباً‏}‏ فيما يدَّعيه من الإرسال، وفيما يَعدنا من البعث، ‏{‏وما نحن له بمؤمنين‏}‏‏:‏ بمصدِّقين بما يقول‏.‏

‏{‏قال‏}‏ هود، أو صالح- عليهما السلام- بعدما سلك في دعوتهم كل مسلك، متضرعاً إلى الله- عز وجل-‏:‏ ‏{‏ربِّ انصرني‏}‏ عليهم، وانتقم منهم ‏{‏بما كذَّبونِ‏}‏ أي‏:‏ بسبب تكذيبهم إياي وإصرارهم عليه، ‏{‏قال‏}‏ تعالى؛ إجابة لدعائه‏:‏ ‏{‏عمَّا قليلٍ‏}‏ أي‏:‏ عن زمان قليل، زيدت «ما»، بين الجار والمجرور؛ لتأكيد معنى القلة، أو نكرة موصوفة، أي؛ عن شيء قليل ‏{‏ليصبِحُنَّ نادمين‏}‏ عما فعلوا عن التكذيب، وذلك عند معاينتهم العذاب‏.‏

‏{‏فأخذتهم الصيحةُ‏}‏، لعلهم، حين اصابتهم الريح العقيم، أُصيبوا في تضاعيفها بصيحة هائلة من صوته‏.‏ أو يراد بها‏:‏ صرير الريح وصوته‏.‏ وقد رُوي أن شَدَّاداً حين أتم بناء إرم، سار إليها بأهله، فلما دنا منها بعث الله عليهم صيحة من السماء، فهلكوا، وقيل‏:‏ الصيحة‏:‏ العذاب المصطلِم، قال الشاعر‏:‏

صَاحَ الزَّمانُ بآلِ فُدَكٍ صيَحةً *** خَرُّوا؛ لشِدَّتها، على اْالأَذْقَانِ

وإذ قلنا‏:‏ هم قوم صالح، فالصيحة صيحة جبريل عليه السلام، صاح عليهم فدمرهم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏بالحق‏}‏ أي‏:‏ بالعدل من الله، يقال‏:‏ فلان يقضي بالحق، أي بالعدل، أو‏:‏ أخذتهم بالحق، أي‏:‏ بالأمر الثابت الذي لا دفاع له، ‏{‏فجعلناهم غُثاء‏}‏ أي‏:‏ كغثاء السيل، وهو ما يحمله من الورق والحشيش، شبههم في دمارهم بالغثاء، وهو ما يرميه السيل، من حيث أنهم مَرْمِي بهم في كل جانب وسَهْب‏.‏ ‏{‏فبُعداً‏}‏‏:‏ فهلاكاً، يقال بَعُدَ بُعْداً، أي‏:‏ هلك هلاكاً، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال لا تظهر أفعالها، أي‏:‏ فسحقاً ‏{‏للقوم الظالمين‏}‏، وهو إخبار، أو دعاء، واللام؛ لبيان من دُعي عليه بالبُعد، كقوله‏:‏ ‏{‏هَيْتَ لَكَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 23‏]‏‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ من عادة الحق- سبحانه-، إذا أكب الناس على دنياهم، واتخذوا إلههم هواهم، بعث من يذكرهم بالله، فيقول لهم‏:‏ اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره، أي‏:‏ أفردوه بالمحبة، واقصدوه بالوجهة، فما عبدَ الله من عبد هواه، فيقول المترفون، وهم المنهمكون في الغفلة، المحجوبون بالنعمة عن المنعم، الذين اتسعت دائرة حسهم‏:‏ ما هذا الذي يعظكم، ويريد أن يخرجكم عن عوائدكم، ألا بشر مثلكم، يأكل مما تأكلون، ويشرب مما تشربون، وما دَروا أنَّ وصف البشرية لا ينافي وجود الخصوصية، فإذا تمادوا في غفلتهم، وأيس من هدايتهم، ربما دعا عليهم، فأصبحوا نادمين، حين لا ينفعهم الندم، وذلك عند نزول هواجم الحِمَامِ‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏42- 44‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ ‏(‏42‏)‏ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ‏(‏43‏)‏ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏44‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ القرن‏:‏ أهل العصر، سُموا به؛ لِقران بعضهم البعض، و‏(‏تترا‏)‏‏:‏ حال، فمن قرأه بالألف فهو كسكرى، وهو من الوتر، واحداً بعد واحد، فالتاء الأولى بدل من الواو، وأصله‏:‏ وَترى، كتراث وتقوى، والألف للتأنيث، باعتبار أن الرسل جماعة، ومن نَوَّنَه جعله كأرطى ومعزى، فيقال‏:‏ أرطى ومعزى، وقيل‏:‏ مصدر بمعنى فاعل، أي‏:‏ متتابعين‏.‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏ثم أنشأنا من بعدهم‏}‏ أي‏:‏ من بعد قوم هود، ‏{‏قروناً آخرين‏}‏؛ قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم، ‏{‏ما تسبق من أمة‏}‏، «مِنْ» صلة، أي‏:‏ ما تتقدم أمة من الأمم المهلكة ‏{‏أجلَها‏}‏ الذي عُيِّن لهلاكها في الأزل، ‏{‏وما يستأخرون‏}‏ عنه ساعة‏.‏ ‏{‏ثم أرسلنا رسلَنا‏}‏، عطف على «أنشأنا»، على معنى أن إرسالهم متراخ عن إنشاء القرون المذكورة، وما بينهما اعتراض، والمعنى‏:‏ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين، قد أرسلنا إلى كل قرن منهم رسولاً خاصاً به، والفصل بين الجملتين بالجملة المتعرضة الناطقة بعدم تقدم الأمم من أجلها المضروب لهلاكهم؛ للمسارعة إلى بيان هلاكهم على وجهٍ إجمالي‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تَتْرَى‏}‏ أي‏:‏ متواترين واحداً بعد واحد، أو متتابعين يتبع بعضهم بعضاً، ‏{‏كلما جاء أمةً رسولها كذبوه‏}‏، الرسول يلابس المرسِل والمرسلَ إليه، والإضافة تكون بالملابسة، فأضافهم أولاً إلى نون العظمة، وهنا إلى المرسل إليهم؛ للإشعار بكمال شناعتهم وضلالتهم، حيث كذبت كلُّ أمةٍ رسولها المعين لها، وعبَّر عن التبليغ بالمجيء؛ للإيذان بأنهم كذبوه في الملاقاة الأولى، ‏{‏فأتبعنا بعضَهم بعضاً‏}‏ في الهلاك، كما تبع بعضهم بعضاً في الكفر والتكذيب، الذي هو سبب الهلاك، ‏{‏وجعلناهم أحاديثَ‏}‏؛ أخبار، يُسمر بها ويُتعجب منها، أي‏:‏ لم يبق منهم إلا حكايات يعتبر بها المعتبرون، والأحاديث يكون اسم جمع للحديث، ومنه‏:‏ أحاديث النبي- عليه الصلاة والسلام- ويكون جمعاً للأحدوثة، وهي ما يتحدث بها الناس؛ تلهياً وتعجباً، وهو المراد هنا ‏{‏فبعداً لقوم لا يؤمنون‏}‏ به وبرسله اقتصر هنا على عدمإيمانهم وأما القرون الأولى فحيث نقل عنهم ما مرَّ من العتو وتجاوز الحد في الكفر والعدوان وصفهم بالظلم‏.‏ والله تعالى أعلم وأحكم‏.‏

الإشارة‏:‏ كل ما حكى الله تعالى عن القرون الماضية والأمم السابقة، فالمراد ترهيب هذه الأمة المحمدية، وإزعاجٌ لها عن أسباب الهلاك، وإنهاض لها إلى العمل الصالح، لتكون أحاديث حِساناً بين الأمم، فكل إنسان ينبغي له أن يجتهد في تحصيل الكمالات العلمية والعملية، ليكون حديثاً حسناً لمن بعده، كما قال القائل‏:‏

مَا الْمَرءُ إلا حديثٌ من بَعدِه *** فَكنْ حَديثاً حَسَناً لِمَن وَعَا

وقال آخر‏:‏

ومَا الْمَرءُ إلا كالشَّهابِ وضَوْؤهُ *** يَحورُ رَماداً بَعْدَما هو سَاطِعُ

ومَا المَالُ والأَهلْونَ إلا وديعةٌ *** ولا بُدَّ يوماً أن تُردَّ الْودَائِعُ

وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 49‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏45‏)‏ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ‏(‏46‏)‏ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ‏(‏47‏)‏ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ‏(‏48‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ «هارون»‏:‏ بدل من «أخاه»‏.‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا‏}‏ التسع؛ من اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، ونقص الثمرات، والطاعون‏.‏ ولا مساغ لعدّ فلق البحر منها؛ إذ المراد الآيات التي كذبُوها واستكبروا عنها، بدليل ما بعدها‏.‏ ‏{‏وسلطانٍ مبينٍ‏}‏؛ وحجة واضحة مُلزِمَة للخصم الإقرار بما دُعي إليه، وهي إمّا العصا، وإفرادها بالذكر مع اندراجها في الآيات؛ لأنها أبهر آياته عليه السلام، وقد تضمنت معجزات شتى؛ من انقلابها ثعباناً، وتلقفها ما أفكته السحرة، كما تقدم‏.‏ وأما التعرض لانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر؛ بضربها، وحراستها، وصيرورتها شمعة، وشجرة خضراء مثمرة، ودلْواً ورشاء، وغير ذلك مما ظهر منها في غير مشهد فرعون وقومه، فغير ملائم لمقتضى المقام، وإمّا ما أتى به من الحجج الباهرة، فيشمل ما تقدم وغيره‏.‏

‏{‏إلى فرعون وملَئه‏}‏ أي‏:‏ أشراف قومه، خصهم بالذكر؛ ليرتب عليه ما بعده من قوله‏:‏ ‏{‏فاستكبروا‏}‏ عن الإنقياد وتمردوا‏.‏ تكبراً وترفعاً، ‏{‏وكانوا قوماً عالين‏}‏‏:‏ متكبرين، متمردين، ‏{‏فقالوا‏}‏، فيما بينهم، على طريق المناصحة‏:‏ ‏{‏أنؤمن لبشَرَيْنِ مثلنا‏}‏، «مثل» و«غير» يوصف بها الإثنان والجمع والمذكر والمؤنث، والبشر يطلق على الواحد، كقوله‏:‏ ‏{‏بَشَراً سَوِياًّ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 17‏]‏، وعلى الجمع، كقوله‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 26‏]‏، وأراد به هنا الواحد، فثناه، أي‏:‏ كيف نؤمن لبشرين مثلنا في العجز والافتقار، ‏{‏وقومهما لنا عابدون‏}‏ أي‏:‏ خادمون منقادون لنا كالعبيد، وكأنهم قصدوا بذلك التعريض بهما- عليهما السلام- وحط رتبتهما العلية عن منصب الرسالة من وجه آخر غير البشرية، بناء على زعمهم الفاسد، من قياس الرئاسة الدينية على الرئاسات الدنيوية، الدائرة على التقدم في نيل الحظوظ الدنيوية، من المال والجاه، كدأب قريش، حيث قالوا‏:‏ ‏{‏لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 11‏]‏‏.‏ ‏{‏وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 31‏]‏‏.‏ وعلى جهلهم بأن مناط الاصطفاء للرسالة هو السبق في حيازة النعوت العلية، وإحراز الكمالات السنية، جِبِلَّةً او اكتساباً، ‏{‏فكذبوهما‏}‏ أي‏:‏ فتمادوا على تكذيبهما، وأصروا، واستكبروا استكباراً، ‏{‏فكانوا من المهلَكِين‏}‏ بالغرق في بحر القلزم‏.‏

‏{‏ولقد آتينا‏}‏ بعد إهلاكهم، وإنجاء بني إسرائيل من مِلكِهم واسترقاقهم، ‏{‏موسى الكتابَ‏}‏‏:‏ التوراة، ولَمَّا نزلت لإرشاد قومه جُعلوا كأنهم أوتوها، فقيل‏:‏ ‏{‏لعلهم يهتدون‏}‏ إلى الحق بالعمل بما من الشرائع والأحكام، وقيل‏:‏ على حذف مضاف، أي‏:‏ آتينا قوم موسى، كقوله‏:‏ ‏{‏على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 83‏]‏، أي‏:‏ من آل فرعون وملئهم‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ كل من طُرد وأُبعد عن ساحة رحمة الله تعالى والوصول إليه، فإنما سببه التكبر والعلو، وكل من قرب ووصل إلى الله فإنما سببه التواضع والحنو، ولذلك ورد‏:‏

«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كان في قَلْبِه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» وحقيقة الكِبرِ‏:‏ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النَّاسِ، أي‏:‏ إنكار الحق واحتقار الناس، وفي مدح التواضع والخمول ما لا يخفى‏.‏ فمن تواضع، دون قدره، رَفَعَهُ الله فوق قدره، فالتواضع مصيدة الشرف، به يصطاد وينال، ومن أوصاف أهل الجنة‏:‏ «كل ضعيف مستضعف، لو أقسم على الله لأبره في قسمه»، إلى غير ذلك من الأخبار‏.‏

وكل من أنكر على أهل الخصوصية فسببه إما الحسد، أو الجهل بأن الخصوصية لا تنافي أوصاف البشرية، أو قياس الرئاسة الباطنية الدينية على الرئاسة الدنيوية، فأسقط من لا رئاسة له في الظاهر ولا جاه، أو لعدم ظهور الكرامة، وهي غير مطلوبة عند المحققين‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏50‏]‏

‏{‏وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ‏(‏50‏)‏‏}‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏وجعلنا ابنَ مريَم وأمه آيةً‏}‏ دالة على كمال قدرتنا؛ بولادته منها من غير مسيس بشر، ووحَّدها؛ لأن الأعجوبة فيهما واحدة‏.‏ أو المراد‏:‏ وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، فحذفت الأولى؛ لدلالة الثانية عليها، أي‏:‏ وجعلنا ابن مريم وحده، من غير أن يكون له أب، آية، وأمه، من حيث أنها وَلدت من غير ذَكَر، آية، وتقديمه عليه السلام؛ لأصالته فيما ذَكَر من كونه آية كما أن تقديم أمه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَاهَا وابنهآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 91‏]‏، لأصالتها فيما نسب إليها من الإحصان والنفخ‏.‏

‏{‏وآويناهما‏}‏ أي‏:‏ جعلنا مأويهما ومنزلهما ‏{‏إلى ربوةٍ‏}‏ أي‏:‏ أرض مرتفعة، وهو بيت المقدس؛ فإنها كبد الأرض، وأقرب الأرض إلى السماء، بمعنى أنه يزيد علوها على علو الأرض، فينتقصُ بُعدها عن السماء عن بُعد غيرها منها بثمانية عشر ميلاً، كما جاء، ولعل ذلك سر كونها أرض الحشر، وكون الإسراء وقع منها‏.‏ قاله المحشي، وقيل‏:‏ دمشق، وقيل‏:‏ فلسطين، والرملة‏.‏ ‏{‏ذات قرارٍ‏}‏؛ مستقر من الأرض، مستوية منبسطة، سهلة، أو ذات ثمار، يستقر؛ لأجل ثمارها، ساكنوها فيها، ‏{‏ومَعِين‏}‏ أي‏:‏ ماء معين، ظاهر، جارٍ، فقيل‏:‏ من معن، إذا جرى، أو مدرك بالعين لظهوره من عانه إذا أدركه بعينه أو من الماعون وهو النفع؛ لأنه نفاع لظهوره وجريه‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ كان عيسى عليه السلام منقطعاً عن هذا العالم، متبتلاً زاهداً، لم يتخذ في هذه الدنيا قراراً، ولم يبن فيها مسكناً ولا داراً، فكان آية للعباد والزهاد من الرجال‏.‏ كما أن أمه كانت آية للنساء العابدات، في التبتل والانقطاع، فآواهما إلى ربوة التقريب والاصطفاء، ذات قرار وتمكين ومصافاة ووفاء، وجعل، جل جلاله، أولياءه على قدم أنبيائه، فمنهم على قدم نوح عليه السلام في القوة ونفوذ الهمة، مهما دعا على أحد هلك‏.‏ ومنهم على قدم إبراهيم عليه السلام في الشفقة والرحمة وعلو الهمة، وتحقيق التوحيد، وإمام أهل التفريد، ومنهم على قدم موسى عليه السلام في المناجاة والمكالمة والقوة والعزم، ومنهم على قدم عيسى عليه السلام في الزهد والانقطاع، ومنهم على قدم نبينا محمد- عليه الصلاة والسلام-؛ وهو الجامع لما افترق في غيره، وهو قطب الدائرة، نفعنا الله بهم جميعاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 56‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ‏(‏51‏)‏ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ‏(‏52‏)‏ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ‏(‏53‏)‏ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ‏(‏54‏)‏ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ‏(‏55‏)‏ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏56‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏(‏وإن هذه‏)‏‏:‏ مَن كسره استأنف، ومَن فتحه حذف اللام، أي‏:‏ فاتقون؛ لأنَّ هذه، أو معطوف على ما قبله‏:‏ ‏(‏بما تعملون عليم‏)‏، وبأن هذه، أو بتقدير‏:‏ واعلموا أن هذه‏.‏ و‏(‏زُبُراً‏)‏‏:‏ حال من‏:‏ «أَمْرهم»، أو من «واو» ‏(‏تقطعوا‏)‏، و‏(‏نُسارع‏)‏‏:‏ خبر «أن»، و«ما»‏:‏ موصولة‏.‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏يا أيها الرسل كُلوا من الطيبات‏}‏، هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما؛ لأنهم أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، وإنما المعنى‏:‏ الإعلام بأنَّ كل رسول في زمانه نُودي بذلك، ووصي به؛ للإيذان بأن إباحة الطيبات شرعٌ قديم، جرى عليه جميع الرسل- عليه الصلاة والسلام- وَوُصّوا به، أي‏:‏ وقلنا لكل رسول‏:‏ كُلْ من الطيبات واعمل صالحاً‏.‏ فعبَّر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع؛ للإيجاز، وفيه من الدلالة على بطلان ما عليه الرهابنة من رفض الطيبات ما لا يخفى‏.‏ قاله أبو السعود‏.‏ وقيل‏:‏ خطاب لعيسى عليه السلام؛ لاتصال الآية به، وكان يأكل من غزل أمه، وهو من أطيب الطيبات، وقيل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لفضله وقيامه مقام الكل، وكان يأكل من الغنائم، وما رزقه الله من غير اختيار على الله، والجمع‏:‏ للتعظيم فيهما، والطيبات‏:‏ ما يُستطاب ويُستلذ من مباحات المآكل والفواكه، حسبما يُنبىء عنه سياق النظم الكريم‏.‏

‏{‏واعملوا‏}‏ عملاً ‏{‏صالحاً‏}‏، فإنه المقصود منكم؛ شكراً لما أُسدي إليكم، ولا تشتغلوا بالنعم عن طاعة المنعم وشهوده، ‏{‏إني بما تعملون‏}‏ من الأعمال الظاهرة والباطنة، ‏{‏عليم‏}‏، فأجازيكم عليه، وفيه تهديد للمذكورين، فما بالك بغيرهم ممن ألهته النعم عن شهود المنعم وشكره‏؟‏‏!‏

‏{‏وإن هذه أمتكم‏}‏ أي‏:‏ ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها ‏{‏أمةً واحدة‏}‏ أي‏:‏ ملة واحدة، متحدة في أصول الشرائع، التي لا تُبدل بتبدل الأعصار، وهو التوحيد وما يتبعه من أصول العقائد‏.‏ ‏{‏وأنا ربكم‏}‏ من غير أن يكون لي شريك في الربوبية، ‏{‏فاتقون‏}‏‏:‏ فخافوا عتابي في مخالفتكم أمري، أو في شق العصا، والمخالفة بالإخلال بمواجب ما ذكر من اختصاص الربوبية بي‏.‏

والخطاب للرسل والأمم جميعاً، على أن الأمر في حق الرسل للتهييج، وفي حق الأمم للتحذير‏.‏ قيل‏:‏ وجاء هنا‏:‏ «فاتقون»، الذي هو أبلغ في التخويف والتحذير من قوله في الأنبياء‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 92‏]‏؛ لأن هذه جاءت عقب إهلاك طوائف كثيرين، وفي الأنبياء، وإن تقدمت أيضاً قصة نوح وما قبلها، فإنه جاء بعدها ما يدل على الإحسان واللطف التام، في قصة أيوب ويونس وزكريا ومريم، فناسب الأمر بالعبادة لمن هذه صفته‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فتقطَّعوا أمرهم‏}‏ أي‏:‏ فتفرقوا في أمر دينهم مع اتحاده، وجعلوه قطعاً متفرقة، وأدياناً مختلفة، ‏{‏بينهم زُبراً‏}‏ أي‏:‏ قطعاً- جمع زَبور، بمعنى الفرقة، ويؤيده قراءة من قرأ‏:‏ ‏(‏زُبَراً‏)‏ بفتح الباء، جمع زُبْرة؛ كغُرْفة، أي‏:‏ قطعاً مختلفة، كلٌّ ينتحل كتاباً، وقيل‏:‏ جمع زَبور، بمعنى كتاب، أي‏:‏ كل فريق يزعم أن له كتاباً يتمسك به‏.‏

وعن الحسن‏:‏ قطعوا كتاب الله قطعاً وحرَّفوه، والأول أقرب، أي‏:‏ تفرقوا في أصل الدين فرقاً، وتحزبوا أحزاباً، ‏{‏كل حزب‏}‏ من أولئك المتحزبين ‏{‏بما لديهم‏}‏ من الدين الذي اختاروه، أول من الهوى والرأي، ‏{‏فَرِحُون‏}‏‏:‏ مُعجبُون، يعتقدون أنه الحق‏.‏

‏{‏فذَرهم في غمرتهم‏}‏؛ في جهالتهم وغفلتهم، شبَّه ما هم فيه من الجهالة بالماء الذي يغمر القامة؛ لأنهم مغمورون فيها، سابحون في بحر الجهالة، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم؛ إيذاناً بأنهم مطبوع على قلوبهم، أي‏:‏ اتركهم على حالهم ‏{‏حتى حين‏}‏‏:‏ حتى نأمرك فيهم بما شئتُ من الجهاد أو غيره، أو‏:‏ إلى أن يُقتلوا أو يموتوا على الكفر، أو‏:‏ إلى وقت حلول العذاب بهم‏.‏ فهو تهديد وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهى عن استعجال عذابهم، وفي التنكير والإبهام ما لا يخفى من التهويل‏.‏

‏{‏أيحسبون أنما نُمِدُّهم به‏}‏ أي‏:‏ نعطيهم إياه ونجعله مدداً لهم، ‏{‏من مالٍ وبنين‏}‏؛ «من»‏:‏ بيان، أي‏:‏ أيظنون أن الذي نمدهم به من الأموال والبنين، ‏{‏نُسارعُ لهم‏}‏ بذلك ‏{‏في الخيرات بل لا يشعرون‏}‏ أنه استدراج، قيل‏:‏ استدراك لقوله‏:‏ ‏{‏أيحسبون‏}‏ أي‏:‏ بل هم أشباه البهائم، لا شعور لهم حتى يتأملوا في ذلك، هل هو استدراج أو مسارعة في الخيرات‏؟‏ وحاصل المعنى‏:‏ أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم إلى المعاصي، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات، ومعاملة لهم بالثواب، جزاء على حسن صنيعهم‏.‏

وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح؛ لأنهم يقولون‏:‏ إن الله- تعالى- لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدين، وقد أخبر أن ذلك لا خير لهم فيه ولا صلاح، والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ تناول الطيبات وما تشتهيه النفس من أنواع الملذوذات، مباح في الشرع قديماً وحديثاً، إن كان من وجه مباح وقارنه الشكر؛ لأن الحق تعالى ما خلق ذلك إلا لعباده؛ ليشكروه ويحمدوه، ويتذكروا بذلك نعيم الجنان، الذي لا يفنى ولا يزول، وما هذا النعيم الدنيوي إلا أنموذج من نعيم الآخرة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا فِى الآخرة إِلاَّ قَلِيلٌ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 38‏]‏‏.‏ هذا باعتبار عامة المسلمين، وأما الخاصة؛ من العُبَّاد والزهاد والمريدين السائرين، فهم يجتنبون ما تجنح إليه النفس، ويتعلق به القلب؛ خوفاً من الإشتغال بذلك عن العبادة أو السير؛ لأن القلب إذا توجه لأمر أعرض عن الآخر، فإذا توجه إلى طلب الشهوات أعرض عن الله، وتَفَتَّر عن السير، وتَكَبَّل عن النهوض إلى الحضرة‏.‏ ولذلك قال في الحِكَم‏:‏ «كيف يشرق قلب‏:‏ صُورُ الأكوان منطبعة في مرآته‏؟‏ أم كيف يرحل إلى الله وهو مُكَبَّل بشهواته‏؟‏ أم كيف يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته‏؟‏ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته‏؟‏» وقال بعضهم‏:‏ لَدغُ الزنابير على الأجسام المَقرحة، أيسر من لدغ الشهوات على القلوب المتوجهة‏.‏

ه‏.‏

وأما خاصة الخاصة؛ وهم العارفون المتمكنون، فهم مع مولاهم، يأخذون من يده ما يعطيهم؛ لأن قلوبهم قد استغرقتها الأنوار، فلم يبق فيها متسع للأغيار، قد تهذبت نفوسهم، واطمأنت بالله قلوبهم، فلا تلتفت إلى غير مولاها‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتقطعوا أمرهم بينهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلخ، الاختلاف، إن كان التوحيد وما يرجع إليه من أصول العقائد، فهو مذموم، وهو الذي نعاه الله على الكفرة المتحزبة، وأمَّا إن كان في الفروع فهو مشروع، كاختلاف الشرائع والمذاهب، ولذلك قال- عليه الصلاة والسلام-‏:‏ «اختلاف أمتي رحمة»، وقال بعض الصوفية‏:‏ ما زالت الصوفية بخير ما تنافروا، فإن توافقوا فلا خير فيهم‏.‏ ه‏.‏ والمراد بالتنافر- في حقهم- التناصح، وإنكار بعضهم على بعض؛ إذا رأى من أحد عيباً، فإن سكتوا عن بعضهم، وتوافقوا على مساوئ بعضهم بعضاً، فلا خير فيهم، وأما قلوبهم فهي متوافقة مؤتلفة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كل حزب بما لديهم فرحون‏}‏، أما أهل الحق فهم فرحون؛ لسلوكهم على المنهاج المستقيم، المُفضي إلى رضوان الله ورحمته، وأما أهل الباطل فزين لهم الشيطان أعمالهم؛ ليتمكنوا من التقرر عليه حتى ينفذ مراد الله فيهم، ولو تحققوا أنهم على باطل لم يمكن قرارهم عليه، فتبطل حكمته وقهريته، وكل من أقامه الحق- تعالى- في حرفة أو خُطة، زينها الله- تعالى- في قلبه حتى يقوم بها، وكذلك أهل الأسباب من أرباب الدليل والبرهان، مع أهل التجريد من أهل الشهود والعيان، لو علموا بمقام أهل العيان ما أقاموا في الأسباب، ولتجردوا كلهم، فتبطل الحكمة الإلهية‏.‏ وكان إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه يقول‏:‏ ‏(‏لو يعلم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف‏)‏‏:‏ فسبحان من قرَّب قوماً وأبعد قوما، ‏{‏وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعا‏}‏‏.‏ والله تعالى أعلم وأحكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏57- 62‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ‏(‏57‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ‏(‏58‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ‏(‏59‏)‏ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ‏(‏60‏)‏ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ‏(‏61‏)‏ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏62‏)‏‏}‏

قال في الحاشية‏:‏ لمّا ذكر تعالى غفلةَ الكفار ووعيدهم، عقَّب ذلك بوصف المؤمنين بضد ذلك ويقينهم بالرُّجْعَى، وإشفاقهم من جلال الحق وقهره‏.‏ ه‏.‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون‏}‏ أي‏:‏ من عذابه خائفون حذرون، ‏{‏والذين هم بآيات ربهم‏}‏ المنصوبة والمُنَزَّلة، ‏(‏يؤمنون‏)‏ بتصديق مدلولها، وبكتب الله كلها، لا يُفرقون بين كتبه، كالذين تقطعوا أمرهم بينهم- وهم أهل الكتاب وغيرهم، ‏{‏والذين هم بربهم لا يشركون‏}‏ شركاً جلياً ولا خفياً، بخلاف مشركي العرب والعجم‏.‏

‏{‏والذين يُؤتون ما آتَوْا‏}‏ أي‏:‏ يعطون ما أعطوا من الزكوات والصدقات‏.‏ وقرئ‏:‏ ‏(‏يأَتُونَ مَا أَتَواْ‏)‏ بالقصر، أي‏:‏ يفعلون من الطاعات، ‏{‏وقلوبهم وَجِلةٌ‏}‏‏:‏ خائفة ألاَّ تُقبل منهم؛ لتقصيرهم؛ بأن لا يقع على الوجه اللائق، فيُؤخذوا به ويُحرموا ثوابه؛ لأنهم ‏{‏إلى ربهم راجعون‏}‏ فيعاتبهم، أو من مرجعهم إليه، وهو يعلم ما يحيق عليهم، والمصولات الأربعة عبارة عن طائفة واحدة متصفة بما ذكر، في حَيِّزِ صِلاتِهَا من الأوصاف الأربعة، لا عن طوائف، كل واحدة منها متصفة بواحد من الأوصاف المذكورة، كأنه قيل‏:‏ إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون، وبآيات ربهم يؤمنون‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏

وإنما كرر الموصول؛ إيذاناً باستقلال كل واحد من تلك الصفات بفضيلة باهرة على حِيالها، وتنزيلاً لاستقلالها منزلة استقلال الموصوف بها، وخبر «إنّ»‏:‏ ‏{‏أولئك يسارعون‏}‏، أشار إليهم بالجمع اعتبار اتصافهم بتلك النعوت، مع أنَّ الموصول واقع على الجمع‏.‏

ومعنى البُعد؛ للإشعار ببُعد رُتبتهم في الفضل، أي‏:‏ أولئك المنعوتون بتلك النعوت الجليلة يسرعون ‏{‏في الخيرات‏}‏ أي‏:‏ يرغبون في الطاعات أشد الرغبة، فيبادرون إليها‏.‏ أويسارعون في نيل الخيرات العاجلة والآجلة الموعودة على الأعمال الصالحات؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَآتَاهُمُ الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 148‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَآتَيْنَاهُ فِى الدنيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 122‏]‏، فقد أثبت لهم ما نفى عن أضدادهم، غير أنه غيّر الأسلوب، حيث لم يقل‏:‏ أولئك نسارع لهم في الخيرات؛ بل أسند المسارعة إليهم؛ إيماءاً إلى كمال استحقاقهم نيل الخيرات لمحاسن الأعمال‏.‏ وإيثار كلمة «في»، عن كلمة «إلى»؛ إيذانا بأنهم مُتَقلِّبون في فنون الخيرات، لا أنهم خارجون عنها متوجهون إليها، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 133‏]‏ الآية‏.‏

‏{‏وهم لهم‏}‏ أي‏:‏ لأجل نيل تلك الخيرات، ‏{‏سابقون‏}‏ الناس إلى الطاعات، أو‏:‏ وهم إياها سابقون، واللام زائدة؛ لتقوية العامل، كقوله‏:‏ ‏{‏وهم لها عاملون‏}‏ أي‏:‏ ينالونها قبل الآخرة، فتُعجل لهم في الدنيا، وعن ابن عباس‏:‏ ‏{‏هم لها سابقون‏}‏ أي‏:‏ سبقت لهم من الله السعادة، فلذلك سارعوا في الخيرات‏.‏ ه‏.‏ فهو إشارة إلى تيسير كلِّ لما خُلِق له، وأنه يَسَّرهمُ القدرُ لما وصفهم به من الخير، كما أن الكفار أُمدوا بما يدعو للغفلة والإعجاب، مما هو استدراج ومكر من حيث لا يشعرون‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا نُكلِف نفساً إلا وُسْعَها‏}‏ أي‏:‏ طاقتها، فهو تحريض على تحصيل ما وُصف به السابقون من فعل الطاعات المؤدي إلى نيل الخيرات؛ ببيان سهولته، وأنه غير خارج عن حد الوسع والطاقة، أي‏:‏ عادتنا جارية بأنْ لا نكلف نفساً من النفوس إلا ما في طاقتها، فإن لم يبلغوا في فعل الطاعة مراتب السابقين، فلا عليهم، بعد أن يبذلوا طاقتهم ويستفرغوا وسعهم‏.‏

‏{‏ولدينا كتابٌ‏}‏ أي‏:‏ صحائف الأعمال التي يرونها عند الحساب، حسبما يُعرب عنه قوله‏:‏ ‏{‏ينطِق بالحق‏}‏، كقوله‏:‏ ‏{‏هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّ كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 29‏]‏ أي‏:‏ عندنا كتاب أثبت فيه أعمال كل أحد على ما هو عليه، أو أعمال السابقين والمقتصدين جميعاً، وقوله‏:‏ ‏(‏بالحق‏)‏‏:‏ يتعلق بينطق، أي‏:‏ يُظهر الحق المطابق للواقع على ما هو عليه، أو يظهره للسامع، فيظهر هناك جلائل أعمالهم ودقائقها، ويرتب عليها أجزيتها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشرٌ، وقيل‏:‏ المراد بالكتاب‏:‏ اللوح المحفوظ، وهو مناسب لتفسير ابن عباس بسبق السعادة، وقوله‏:‏ ‏{‏وهم لا يظلمون‏}‏، بيان لفضله تعالى وعدله في الجزاء، إثر بيان لطفه في التكليف وكتب الأعمال، أي‏:‏ لا يظلمون في الجزاء؛ بنقص الثواب أو بزيادة عذاب، بل يُجزون بقدر أعمالهم التي كُلّفوها، ونطقت بها صحائف أعمالهم، أو‏:‏ لا يُظلمون بتكليف ما لا وسع فيه، أو‏:‏ لا ينقصون مما سبق لهم في اللوح المحفوظ شيئاً، والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ذكر في هذه الآية أربعة أوصاف من أوصاف المقربين، أولها‏:‏ الخوف والإشفاق من الطرد والإبعاد، والثاني‏:‏ الإيمان الذي لا يبقى معه شك ولا وَهْم، بما تضمنته الآيات التنزيلية من الوعد والإيعاد، والثالث‏:‏ التوحيد الذي لا يبقى معه شرك جلي ولا خفي، والرابع‏:‏ السخاء والكرم، مع رؤية التقصير فيما يعطي‏.‏ فمن جمع هذه الخصال كان من السابقين في الخيرات ويُسارع لهم في تعجيل الخيرات، وكل ذلك بقدر ما يطيق العبد، مع بذل المجهود في فعل الخيرات‏.‏

قال في الحاشية‏:‏ والمسارعة إلى الخيرات إنما هو بقطع الشرور وأول الشرور‏:‏ حب الدنيا؛ لأنها مزرعة الشيطان، فمن طلبها وعمرها فهو حراثه وعبده، وشر من الشيطان من يُعين الشيطان على عمارة داره، وما ذلك إلا أنه لم يهتم بأمر معاده ومنقلبه، لما جرى عليه في السابقة من الحكم، ولا كذلك من وصفه في الإشفاق من المؤمين؛ إجلالاً لربهم، ورجوعاً لحكمه فيهم غيباً، فلا يأمنون مكره بحال، ولا يركنون إلى أعمال، بل عمدتهم ربهم ورحمته في كل حال‏.‏ والله أعلم‏.‏ والحاصل‏:‏ أنهم مع كونهم يخشون ربهم ويؤمنون بآياته، ولا يشركون به شيئاً، ويودون طاعته، يخافون عدم قبوله لهم عند الرجوع إليه، ولقائهم له؛ لأنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأحكامه لا تعلل، ومن استغرق فيه لم يقف مع وعده‏.‏ ه‏.‏

قوله‏:‏ «ومن استغرق فيه لم يقف مع وعده»، أي‏:‏ لأنه قد يرتب ذلك على شروط أخفاها عنه، ليدوم خوفه واضطراره، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، وليس خوف العارف من السابقة ولا من الخاتمة؛ لأنه شغله استغراقه في الحق والغيبة فيه عن الشعور بالسابقة واللاحقة، إنما خوفه من الإبعاد بعد التقريب، أو الافتراق بعد الجمع، وهذا أيضاً قبل التمكين، وإلا فالكريم إذا أعطى لا يرجع‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏63- 67‏]‏

‏{‏بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ‏(‏63‏)‏ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ‏(‏64‏)‏ لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ ‏(‏65‏)‏ قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ‏(‏66‏)‏ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ‏(‏67‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ «بل» إضراب عما قبله من أوصاف المؤمنين، وانتقال إلى أضدادهم من الكافرين، والضمير للكفرة، و«حتى»‏:‏ ابتدائية مختصة بالدخول على الجُمل‏.‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏بل قلوبُهم‏}‏ أي‏:‏ الكفرة المستدرج بهم، وهم لا يشعرون، ‏{‏في غَمْرَةٍ‏}‏؛ في غفلة غامرة لها، مما عليه هؤلاء الموصوفون بما تقدم من الخشية وما بعده، أو مما بيَّن في القرآن من أن لديه كتاباً ينطق بالحق، ويُظهر لهم أعمالهم السيئة على رؤوس الأشهاد، فيُفضحون بها، كما ينبئ عنه ما بعده من قوله ‏{‏قد كانت آياتي تتلى عليكم‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏ ‏{‏ولهم أعمال من دون ذلك‏}‏ أي‏:‏ ولهم أعمال خبيثة كثيرة، متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون، من الأعمال الصالحات، وهي فنون كفرهم ومعاصيهم، ‏{‏هم لها عاملون‏}‏، وعليها مقيمون، مستمرون عليها، حتى يأخذهم الله بالعذاب، كما قال‏:‏ ‏{‏حتى إذا أخذنا مُتْرَفِيهم‏}‏ أي‏:‏ منعميهم ‏{‏بالعذاب‏}‏ أي‏:‏ عذاب الدنيا، وهو القحط سبع سنين، حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ «اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، واجعلها عَلَيْهمَ سِنِينَ كَسِنيِّ يُوسُفَ»، فقحطوا حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام‏.‏ أو‏:‏ القتل يوم بدر‏.‏ والحق‏:‏ إنه العذاب الأخروي؛ إذ هو الذي يُفاجأون عنده بالجؤار، فيجابون بالرد والإقناط عن النصر، وأما عذاب يوم بدر فلم يوجد لهم عنده جؤار، حسبما ينبئ عنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب فَمَا استكانوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 76‏]‏ فإنَّ المراد به ما جرى عليهم يوم بدر كما يأتي‏.‏ وأما الجوع فإن أبا سفيان، وإن تضرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عليه بالإقناط، بل دعا لهم فكشف عنهم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا هم يجأرون‏}‏ أي‏:‏ يصرخون؛ استغاثة، والجؤار‏:‏ الصراخ باستغاثة‏.‏ فيقال لهم‏:‏ ‏{‏لا تجأروا اليوم‏}‏؛ فإن الجؤار غيرُ نافع لكم، ‏{‏إنكم منا لا تُنصرون‏}‏ أي‏:‏ لا يلحقكم من جهتنا نصرة تمنعكم مما دهمكم‏.‏

‏{‏وقد كانت آياتي‏}‏ القرآنية ‏{‏تُتلى عليكم‏}‏ في الدنيا، ‏{‏فكنتم على أعقابكم تَنكصُونَ‏}‏ أي‏:‏ ترجعون القهقرى، وتعرضون عن سماعها أشد الإعراض فضلاً عن تصديقها والعمل بها والنكوص‏:‏ الرجوع القهقرى وهي أقبح المشية؛ لأنه لا يرى ما وراءه، ‏{‏مستكبرين به‏}‏، الظاهر أن الضمير للقرآن؛ لتقدم ذكر آياته، والباء بمعنى «عن» أي‏:‏ متكبرين عن سماعه والإذعان له، أو سببية، أي‏:‏ فكنتم بسبب سماعه مستكبرين عن قبوله، وعمن جاء به، أو ضَمَّن مستكبرين معنى مُكذبين، وقيل‏:‏ يعود إلى البيت الحرام، أو الحرم، وأضمر ولم يذكر؛ لأنه من السياق‏.‏ والمعنى‏:‏ أنهم يستكبرون بسبب المسجد الحرام؛ لأنهم أهله وأهل ولايته، وكانوا يقولون‏:‏ لا يظهر علينا أحد؛ لأن أهل الحرم، وقيل‏:‏ تتعلق بالباء بقوله‏:‏ ‏{‏سامراً‏}‏ أي‏:‏ تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه، وكانوا يجتمعون حول البيت يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن والطعن فيه، وفي النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء به، و«سامراً»‏:‏ مفرد بمعنى الجمع، وقرئ سُمَّاراً، ‏{‏تهجرون‏}‏، إما من الهَجر بالفتح، بمعنى الهذيان، أي‏:‏ تهذون في شأن القرآن كما يهذو الحالم أو السكران‏.‏

أو من الترك، أي‏:‏ تتركونه وتفرون منه، أو تهجرون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أو من «الهجر» بالضم، وهو الفحش، ويؤيده قراءة من قرأ‏:‏ «تُهجِرون»، من أهجر في منطقة‏:‏ إذا أفحش‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ من كان قلبه في غمرة حظوظه وهواه، عاكفاً على جمع دنياه، لا يطمع في دخول حضرة مولاه، ولو صلى وصام ألف سنة‏.‏ قال القشيري‏:‏ لا يَصلُحُ لهذا الشأنِ إلا من كان فارغاً من الأعمال كلها، لا شغلَ له في شأن الدنيا والآخرة، فأمَّا من شُغل بدنياه، وعلى قلبه حديثٌ من عقباه، فليس له نصيبٌ من حديث مولاه‏.‏ ه‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهمَا كَثِيرٌ مِنَ الناس‏:‏ الِّصحَّةُ والفَرَاغُ»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏68- 74‏]‏

‏{‏أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏68‏)‏ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ‏(‏69‏)‏ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ‏(‏70‏)‏ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏71‏)‏ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ‏(‏72‏)‏ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏73‏)‏ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ‏(‏74‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على محذوف، أي‏:‏ أَفعلوا ما فعلوا من النكوص والاستكبار فلم يتدبروا القرآن، و«أم»‏:‏ منقطعة، فيها معنى الإضراب والتوبيخ في الجميع‏.‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يدّبروا القولَ‏}‏؛ يتدبروا القرآن ليعرفوا، بما فيه من إعجاز النظم وصحة المدلول، والإخبار عن المغيبات الماضية والمستقبلة، أنه الحق، فيؤمنوا به، ويُذعنوا لمن جاء به، ‏{‏أم جاءهم‏}‏؛ بل أَجاءهم من الكتاب ‏{‏ما لم يأتِ آباءهم الأولين‏}‏، حتى استبعدوه واستبدعوه، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال، ‏{‏أم لم يعرفوا رسولهم‏}‏ أي‏:‏ بل ألم يعرفوه- عليه الصلاة والسلام- بالأمانة والصدق، وحسن الأخلاق، وكمال العلم من غير تعلم ولا مدارسة، وغير ذلك مما حازه من الكمالات اللائقة بالأنبياء قبله، بل عرفوه بذلك ‏{‏فهم له منكِرون‏}‏ بغياً وحسداً‏.‏

‏{‏أم يقولون جِنَّة‏}‏؛ جنون، وليس كذلك؛ لأنهم يعلمون أنه أرجحهم عقلاً، وأثقبهم ذهناً، وأتقنهم رأياً، وأوفرهم رزانة، ولقد شهد له بذلك كل من رآه من الأعداء والأحباب، ‏{‏بل جاءهم بالحق‏}‏ أي‏:‏ ليس الأمر كما زعموه في حق الرسول- عليه الصلاة والسلام-، وما جاء به من القرآن، بل جاءهم بالحق الأبلج والصراط المستقيم، وبما خالف أهواهم، من التوحيد الخالص والدين القيم، ولم يجدوا له مرداً ولا مدفعاً، فلذلك نسبوه إلى الجنون، ‏{‏وأكثرُهُم للحقِّ‏}‏ من حيث هو حق، لا لهذا بعينه، فلذلك أظهر في موضع الإضمار، ‏{‏كارهون‏}‏؛ لِمَا في جبلتهم من الزيغ والانحراف المناسب للباطل؛ ولذلك كرهوا هذا الحق الأبلج، وزاغوا عن الطريق الأبهج، وفي التعبير بالأكثر دليل على أن أقلهم ما كان كارهاً للحق بل كان تاركاً للإيمان به، أنفةً واستنكافاً من توبيخ قومه، أو لقلة فطنته وعدم تفكره، كأبي طالب وأضرابه‏.‏ قال ابو السعود‏:‏ وأنت خبير بأن التعرض لعدم كراهة بعضهم للحق، مع اتفاق الكل على الكفر به، مما لا يساعده المقام أصلاً‏.‏ ه‏.‏ فحمل الأكثر على الكل‏.‏

‏{‏ولو اتبع الحقُّ أهواءهم‏}‏ بأن كان في الواقع آلهة شتى؛ ‏{‏لفسدتِ السمواتُ والأرضُ ومن فيهن‏}‏ كما تقدم في قوله‏:‏ ‏{‏لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 22‏]‏، فالاتباع هنا مجاز، أي‏:‏ لو جاء الوحي على ما يشتهون لفسدت السموات، فالحق هنا هو المذكور في قوله‏:‏ ‏{‏بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون‏}‏، والمعنى‏:‏ لو كان ما كرهوه من الحق، الذي من جملته ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، موافقاً لأهوائهم الباطلة؛ لفسد نظام العالم، وتخصيص العقلاء بالذكر حيث عبَّر بمن؛ لأنَّ غيرهم تبع‏.‏

‏{‏بل أتيناهم بذكْرهم‏}‏‏:‏ بشرفهم، وهو القرآن الذي فيه فخرهم وشرفهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ‏}‏

‏[‏الزخرف‏:‏ 44‏]‏؛ لأن الرسول منهم، والقرآن لغتهم، أو بتذكيرهم ووعظهم، أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه، ويقولون‏:‏ ‏{‏لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأولين‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 168‏]‏، ‏{‏فهم عن ذِكْرِهم معرضون‏}‏ أي‏:‏ فهم، بما فعلوا من النكوص، عن فخرهم وشرفهم معرضون، وهذا مما جُبِلَتْ عليه النفوس الأَمّارة؛ الإعراض عما فيه خيرها، والرغبة فيما فيه هلاكها، إلا من عصم الله، وفي إسناد الإتيان إلى نون العظمة، بعد إسناده إلى ضميره عليه الصلاة والسلام، ومن التنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى‏.‏ انظر أبا السعود‏.‏

‏{‏أم تسألُهُم خَرْجاً‏}‏، هذا انتقال من توبيخهم بما ذكر من قولهم‏:‏ ‏{‏أم يقولون به جِنَّة‏}‏، إلى التوبيخ بوجه آخر، كأنه قال‏:‏ أم يزعمون أنك تسألهم عن أداء الرسالة ‏{‏خَرْجا‏}‏ أي‏:‏ جُعلاً، فيتهمونك، أو يثقل عليهم فلذلك لا يؤمنون، ‏{‏فخراجُ ربك خيرٌ‏}‏ أي‏:‏ رزقه في الدنيا، وثوابه في الآخرة، خير لك من ذلك؛ لدوامه وكثرته، أي‏:‏ لا تسألهم ذلك؛ فإن ما رزقك الله في الدنيا والعقبى خير لك من ذلك؛ وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره- عليه الصلاة والسلام-، من تعليل الحكم وتشريفه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى‏.‏

والخَرْج والخراج واحد، وهو‏:‏ الأجر المأخوذ على العمل، ويطلق على الغلة والضريبة كخراج العبد والأرض، وقال النضر بن شُميل‏:‏ سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفراق بين الخراج والخَرْج، فقال‏:‏ الخراج ما لزمك، والخرج مَا تَبَرَّعْتَ به، وقيل‏:‏ الخرج أخص من الخراج؛ لأنَّ الخراج يطلق على كل ما يستفيده المرء من غلة، أو أجرة، أو زكاة، والخرج خاص بالأجرة، وفي الخراج إشعار بالكثرة، فلذلك عبَّر به في جانبه- تعالى- والمعنى‏:‏ أم تسألهم، على هدايتك لهم، قليلاً من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء الخالق خير، ‏{‏وهو خير الرازقين‏}‏‏:‏ أفضل المعطين‏.‏

‏{‏وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم‏}‏ تشهد العقول السليمة باستقامته، ليس فيه شائبة اعوجاج، توجب اتهامهم لك بوجه من الوجوه، ولقد ألزمهم الله- تعالى- الحجة، وأزاح عِللهم في هذه الآيات، حيث حصر أقسام ما يؤدي إلى الإنكار والاتهام من قوله‏:‏ ‏{‏أم لم يعرفوا رسولهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى هنا، وبيَّن انتفاءها، ولم يبق إلا كراهة الحق وعدم الفطنة أو العناد أو المكابرة، ‏{‏وإنَّ الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط‏}‏؛ عن طريق الحق ‏{‏لناكِبُون‏}‏ أي‏:‏ لعَادلون عن هذا الصراط المذكور، وهو الصراط المستقيم، وصفهم بعدم الإيمان بالآخرة، تشنيعاً لهم بما هم عليه من الانهماك في الدنيا، وزعمهم ألاَّ حياة إلاَّ حياة الدنيا، وإشعاراً بعِلّيّة الحُكم؛ فإن الإيمان بالآخرة وخوف ما فيها من الدواهي من أمور الدعاوي إلى طلب الحق وسلوك سبيله‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ كل من أنكر على أهل الخصوصية، ولم يعرف خصوصيتهم؛ فسببه ثلاثة أمور‏:‏ إما أنه لم يصحبهم ولم يتدبر ما يقولون، ولا ما يأمرون به وينهون عنه، وإنما يرميهم رجماً بالغيب، وإما أنه حسدهم وخاف على جاهه أن يتنقل لغيره، وإما أنهم أتوا بخرق عوائد النفوس التي لم تكن لآبائهم الأولين، فقالوا‏:‏ ‏{‏إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمِ مُّقْتَدُونَ‏}‏، وإنما جاءهم بالحق، وأكثرهم للحق كارهون، وكيف تُخرق للعبد العوائد، وهو لم يخرق من نفسه العوائد‏؟‏‏.‏

‏{‏وَلَوِ اْتَّبَعَ اْلحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ‏}‏، بأن كانت التربية على طريق العوائد، والاستمرار معها لفسد النظام، ولبقي الكون كله ظلمة لجميع الأنام؛ إذ لا يمكن أن يصير الكون نوراً، بظهور الحق فيه، إلا بخرق عوائد النفوس، وإخراجها عن هواها، فحينئذٍ تخرق له ظلمة الكَون، فيفضي إلى شهود المكَوّن، ‏(‏بل أتيناهم بذكرهم‏)‏ أي‏:‏ بشرفهم، بمعرفة الحق على نعت العيان، ‏(‏وهم عن ذكرهم معرضون‏)‏؛ حيث انهمكوا في عوائدهم، ولم يقبلوا من يخرجهم عنها ويعرفهم بالله لله، من غير خراج ولا طمع‏.‏

قال تعالى لنبيه- عليه الصلاة والسلام-‏:‏ ‏{‏أَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ‏}‏‏.‏ قال القشري‏:‏ أي‏:‏ إنَّكَ لا تُطالبهم على تبليغ الرسالة بأجرة، ولا بإعطاءِ عِوَض، حتى تكون في موضع التهمة فيما تأتيهم به من الشريعة، أم لعلك تريد أن يَعْقدُوا لك الرئاسة، ثم قال‏:‏ والذي لَكَ من الله- سبحانه- من جزيل الثواب، وحسن المآب، يُغْنيك عن التصدي لنيلِ ما يكون في حصوله منهم مطمع‏.‏ هذه كانت سُنَّة الأنبياء والمرسلين- عليهم السلام-؛ عملوا لله فلم يطلبوا عليه أجراً من غير الله، والعلماء ورثة الأنبياء في التنزه من التَّدَنُّس بالأطماع، والأكل بالدين، فإنه ربا مُضِرٌّ بالإيمان، إن كان العملُ لله فالأجر مُنتظرٌ من الله، وهو موعودٌ مِن قبل الله‏.‏ ه‏.‏ وراجع ما تقدم في سورة هود؛ فإنه أوفى من هذا‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏، وهو طريق الوصول إلى شهود الذات الأقدس، من طريق التربية، التي هي مخالفة الهوى والخروج عن العوائد‏.‏ وقال القشيري‏:‏ الصراطُ المستقيمُ‏:‏ هو شهودُ الحقِّ بنعت الإنفراد في جميع الأشياء، والإيجاف، والاستسلام لقضايا الإلزام، بمواطأة القلب من غير استكراها الحُكمْ‏.‏ ه‏.‏ وقال الورتجبي عن بعضهم‏:‏ لولا أن الله- تعالى- أمر بمخالفة النفوس ومباينتها، لاتَّبع الخلق أهواءهم في شهوات النفوس، ولو فعلوا ذلك لضلوا عن طريق العبودية، وتركوا أوامر الله، وأعرضوا عن طاعته، ولزموا المخالفة، ألا ترى الله يقول‏:‏ ‏{‏ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن‏}‏‏.‏

ثم بيَّن سبحانه أن حبيبه- عليه الصلاة والسلام- يدعوهم إلى تلك المشاهدة بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ مما أوضحه أنوار جماله وشاهَدْتَه، وهي طريق معرفته في قلوب الصِّدّيقين للأرواح القدسية‏.‏ وتلك الطريقة منتهاها المحبة، وبدايتها الأسوة والمتابعة؛ لقوله‏:‏

‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 31‏]‏‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ المراد بالمحبة محبة الحق لعبده؛ بدليل الآية التي ذكر‏.‏ وقال ابن عطاء‏:‏ إنك لتحملهم على مسالك الوصول، وليس كل أحد يصلح لذلك السلوك، ولا يوفق له إلا أهل الإستقامة، وهم الذين استقاموا مع الله ولم يطلبوا معه سواه، ولم يروا لأنفسهم درجة ولا مقاماً‏.‏ ه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة‏}‏ أي‏:‏ لا يؤمنون بالحياة الآخرة، وهي حياة النفوس بالمعرفة العيانية، بعد موتها بالجهل والوقوف مع الحس والعوائد، ممن لا يصدق بهذه الحياة، وأنكر وجود من يوصل إليها عن طريق الحق الموصلة إليه، لناكبون، فهم في الحيرة والتلف تائهون، عائذاً بالله من ذلك‏.‏